الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
199
تفسير روح البيان
وهم أهل الكتاب والمشركون فبين ان الذين كفروا باق على عمومه وان المراد كلا نوعيه جميعا والمعنى ان الكفار جميعا لم يحبوا أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ اى على نبيكم لان المنزل عليه منزل على أمته مِنْ خَيْرٍ هو قائم مقام فاعله ومن مزيدة لاستغراق الخير والخير الوحي والقرآن والنصرة مِنْ رَبِّكُمْ من لابتداء الغاية والمعنى انهم يرون أنفسهم أحق بان يوحى إليهم فيحسدونكم ويكرهون ان ينزل عليكم شئ من الوحي اما اليهود فبناء على أنهم أهل الكتاب وأبناء الأنبياء الناشئون في مهابط الوحي وأنتم أميون واما المشركون فادلا لا بما كان لهم من الجاه والمال زعما منهم ان رياسة الرسالة كسائر الرياسات الدنيوية منوطة بالأسباب الظاهرة ولذا قالوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ وهم كانوا يتمنون أن تكون النبوة في أحد الرجلين نعيم بن مسعود الثقفي بالطائف والوليد بن المغيرة بمكة ثم أجاب عن قول من يقول لم لم ينزل عليهم بقوله وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ يقال خصه بالشيء واختصه به إذا أفرده به دون غيره ومفعول من يشاء محذوف * والرحمة النبوة والوحي والحكمة والنصرة والمعنى يفرد برحمته من يشاء افراده بها ويجعلها مقصورة عليه لاستحقاقه الذاتي الفائض عليه بحسب إرادته عز وجل لا تتعداه إلى غيره لا يجب عليه شئ وليس لأحد عليه حق وما وقع في عبارة مشايخنا في حق بعض الأشياء انه واجب في الحكمة يعنون به انه ثابت متحقق لا محالة في الوجود لا يتصور ان لا يكون لا انه يجب ذلك بايجاب موجب وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ اى على من يختاره بالنبوة والوحي لابتدائه بالإحسان بلا علة وهو حجة لنا على المعتزلة فان المفضل عند الخلق هو الذي يعطى ويبذل ما ليس عليه لان الذي يعطى ما عليه يكون قاضيا لا مفضلا ولو كان يجب عليه فعل الأصلح لكان المناسب ان يكون ذو العدل بدل قوله ذو الفضل ثم فيه اشعار بان إيتاء النبوة من الفضل وان حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته فمن تعرض لرد ما من اللّه به على عباده المؤمنين فقد جهل بحقيقة الأمر * وعباد اللّه المخلصون قسمان قوم أقامهم الحق لخدمته وهم العباد والزهاد وأهل الأعمال والأوراد وقوم اختصهم بمحبته وهم أهل المحبة والوداد وكل في خدمته وتحت طاعته إذ كلهم قاصد وجهه ومتوجه اليه والعبودية صفة العبد لا تفارقه ما دام حيا ومن حقائق العبودية إخراج الحسد من القلب * قال بعض الحكماء بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه أولها انه ابغض كل نعمة ظهرت على غيره والثاني انه يتسخط قسمته تعالى ويقول لربه لو قسمت هكذا والثالث ان فضل اللّه يؤتيه من يشاء وهو يبخل بفضله والرابع انه خذل ولى اللّه لأنه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه والخامس انه أعان عدوه يعنى إبليس * واعلم أن حسدك لا ينفذ على عدوك بل على نفسك بل لو كوشفت بحالك في يقظة أو منام لرأيت نفسك أيها الحاسد في صورة من يرمى حجرا إلى عدوه ليصيب به مقلته فلا يصيبه بل يرجع إلى حدقته اليمنى فيقلعها فيزيد غضبه ثانيا فيعود ويرميه أشد من الأولى فيرجع على عينه اليسرى فيعميها فيزداد غضبه ثالثا فيعود ويرميه فيرجع الحجر على رأسه فيشجه وعدوه سالم في كل حال وهو اليه راجع كرة بعد أخرى وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون وهذا حال الحسود وسخرية الشياطين وقال